سيد محمد طنطاوي
14
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) * والمراد باشتعال الرأس شيبا : انتشار بياض الشيب فيه . والألف واللام في لفظ * ( الرَّأْسُ ) * قاما مقام المضاف إليه . والمراد : واشتعل رأسي شيبا ، وهذا يدل على تقدم السن ، كما يشهد له قوله - تعالى - * ( وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ) * وقوله - عز وجل - : وقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ . . . . قال صاحب الكشاف : « شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر . . باشتعال النار ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس ، وأخرج الشيب مميزا ولم يضف إلى الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا ، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة . . . » « 1 » . وقوله : * ( ولَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) * أي : ولم أكن فيما مضى من عمرى مخيب الدعاء وإنما تعودت منك يا إلهي إجابة دعائي ، وما دام الأمر كذلك فأجب دعائي في الزمان الآتي من عمرى ، كما أجبته في الزمان الماضي منه . فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر في دعائه أسمى ألوان الأدب مع خالقه ، حيث توسل إليه - سبحانه - بضعف بدنه ، وبتقدم سنه ، وبما عوده إياه من إجابة دعائه في الماضي . ثم حكى - سبحانه - بعض الأسباب الأخرى لإلحاح زكريا في الدعاء فقال : * ( وإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ، وكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ . . ) * . والموالي : جمع مولى ، والمراد بهم هنا : عصبته وأبناء عمومته الذين يلون أمره بعد موته ، وكان لا يثق فيهم لسوء سلوكهم . والعاقر : العقيم الذي لا يلد ، ويطلق على الرجل والمرأة ، يقال : امرأة عاقر ، ورجل عاقر . أي : وإني - يا إلهي - قد خفت ما يفعله أقاربى * ( مِنْ وَرائِي ) * أي : من بعد موتى ، من تضييع لأمور الدين ، ومن عدم القيام بحقه * ( وكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ) * لا تلد قط في شبابها ولا في غير شبابها ، * ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ) * أي : من عندك * ( وَلِيًّا ) * أي : ولدا من صلبي ، هذا الولد * ( يَرِثُنِي ) * في العلم والنبوة * ( ويَرِثُ ) * أيضا * ( مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) * ابن إسحاق بن إبراهيم العلم والنبوة والصفات الحميدة * ( واجْعَلْه ) * يا رب * ( رَضِيًّا ) * أي :
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 4 .